محمد بن جعفر الكتاني
91
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
قال في " التشوف " : « وكان يقول : اعتكفت على قراءة " إحياء علوم الدين " للغزالي في بيت مدة من عام ؛ فجردت المسائل التي تنتقد عليه ، وعزمت على حرق الكتاب . فنمت ؛ فرأيت قائلا يقول : جردوه واضربوه حد الفرية ! . فضربت ثمانين سوطا ، فلما استيقظت ؛ جعلت أقلب ظهري ، وكنت أجد الألم الشديد من ذلك الضرب . فتبت إلى اللّه مما اعتقدت . ثم تأملت تلك المسائل ؛ فوجدتها موافقة للكتاب والسنة . حدثني بذلك غير واحد من الثقات عن أبي محمد عبد اللّه بن عثمان عن أبي الحسن ابن حرزهم » . ه . وقال السبكي في طبقاته الكبرى ، في ترجمة الشيخ أبي حامد ما نصه : « وذكر أن الشيخ أبا الحسن ابن حرزهم ( بكسر الحاء المهملة ، وسكون الراء ، وبعدها زاي . وربما قيل : ابن حرازم ) لما وقف على " الإحياء " ؛ تأمل فيه ، ثم قال : هذا بدعة مخالف للسنة . وكان شيخا مطاعا في بلاد المغرب ؛ فأمر بإحضار كل ما فيها من نسخ " الإحياء " ، وطلب من السلطان أن يلزم الناس بذلك ، فكتب إلى النواحي ، وشدد في ذلك ، وتوعد من أخفى شيئا منه . فأحضر الناس ما عندهم ، واجتمع الفقهاء ونظروا فيه ، ثم أجمعوا على إحراقه [ 72 ] يوم الجمعة ، وكان اجتماعهم يوم الخميس » . « فلما كانت ليلة الجمعة ؛ رأى أبو الحسن المذكور في المنام كأنه دخل من باب الجامع الذي عادته أن يدخل منه ؛ فرأى في ركن المسجد نورا ؛ وإذا بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم وأبي بكر وعمر - رضي اللّه عنهما - جلوس ، والإمام أبو حامد الغزالي قائم وبيده " الإحياء " . فقال : يا رسول اللّه ؛ هذا خصمي ! . ثم جثا على ركبتيه وزحف عليهما إلى أن وصل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فناوله كتاب " الإحياء " ، وقال : يا رسول اللّه ؛ انظر فيه ، فإن كان بدعة مخالفا لسنتك كما زعم ؛ تبت إلى اللّه تعالى ، وإن كان شيئا تستحسنه ؛ حصل لي من بركتك ، فأنصفني من خصمي ! » . « فنظر فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ورقة ورقة إلى آخره ، ثم قال : واللّه هذا شيء حسن ! . ثم ناوله أبا بكر ؛ فنظر فيه كذلك ، ثم قال : نعم ؛ والذي بعثك بالحق يا رسول اللّه إنه لحسن ! . ثم ناوله عمر ؛ فنظر فيه كذلك ، ثم قال كما قال أبو بكر . فأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلم بتجريد أبي الحسن من ثيابه وضربه حد المفتري ، فجرد وضرب ، ثم شفع فيه أبو بكر بعد خمسة أسواط ، وقال : يا رسول اللّه ؛ إنما فعل هذا اجتهادا في سنتك ، وتعظيما ! . فغفر له أبو حامد عند ذلك . فلما استيقظ من منامه وأصبح ؛ أعلم أصحابه بما جرى ، ومكث قريبا من شهر متألما من الضرب . ثم سكن عنه الألم ، ومكث إلى أن مات وأثر السياط على ظهره ، وصار ينظر كتاب " الإحياء " ويعظمه . وينتحله أصلا أصلا . . . وهذه حكاية صحيحة ؛ حكاها لنا جماعة من ثقات مشيختنا عن الشيخ العارف ولي اللّه تعالى ياقوت الشاذلي عن شيخه السيد الكبير ولي اللّه أبي